ابن سبعين

450

رسائل ابن سبعين

الإمام وبعد الغيبوبة أجزاه . وبالجملة فشرط صحة الوقوف عنده هو أن يقف ليلا ، وقال جمهور العلماء : من وقف بعرفة بعد الزوال فحجه تام وإن دفع قبل الغروب ، إلا أنهم اختلفوا في وجوب الدم عليه ، وعمدة الجمهور حديث عروة بن مضرس ، وهو حديث مجمع على صحته قال : أتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بجمع ، فقلت : هل لي من حج فقال : « من صلى هذه الصلاة معنا ووقف هذا الموقف حتى يفيض وأفاض من قبل ذلك من عرفات ليلا ونهارا فقد تم حجه وقضى تفثه » « 1 » ، وأجمعوا على أن المراد بقوله في هذا الحديث « نهارا » ، أنه بعد الزوال ، ومن اشترط الليل احتج بوقوفه بعرفة صلّى اللّه عليه وسلّم حتى غربت الشمس . لكن الجمهور أن يقول إن وقوفه بعرفة إلى المغيب لما روي من حديث عروة بن مضرس أنه على جهة الأفضل ، إذ كان مخيرا بين ذلك ، روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، من طرق أنه قال : « عرفة كلها موقف ، وارتفعوا عن بطن عرفة ، والمزدلفة كلها موقف إلا بطن محسر ، ومنى كلها منحر وفجاج مكة منحر ومبيت » « 2 » . واختلف الفقهاء فيمن وقف من عرفة بعرفة ، فقيل : حجه تام وعليه دم ، وبه قال مالك ، وقال الشافعي : لا حج له ، وعمدة من أبطل الحج النهي الوارد عن ذلك في الحديث ، وعمدة من لم يبطله أن الأصل أن الوقوف بكل عرفة جائز ، إلا ما قام عليه الدليل ، قالوا : ولم يأت هذا الحديث من وجهه يلزم بهذه الحجة والخروج عن الأصل ، فهذا هو القول في السنن التي في يوم عرفة « 3 » . وأمّا الفعل الذي يلي الوقوف بعرفة من أفعال الحج ، فهو النهوض بعد غيبوبة الشمس وما يفعل بما تركناه لكونك لم تسأل عنه ، ومن الناس من يريد جوابه أن يكتب مطابقا ولا يكون زائدا ولا ناقصا ولا معدولا ، ولعلك كذلك ، والحكيم ينظر في المصالح النافعة المدبرة المفيدة وبحسب الحق والمحق الواقع في الوجوه بعد إذا لم يجد ذلك من جهة المخاطب القريب ، وهذا أجل وأكمل بكثير من الأول ، والأول يصرف في الجدل ، وفي بعض العلوم النظرية قال له أول الوجه الأول لا حاجة لي بعد ذلك ، وانصرف وسلّم بعد ما علم ، واعترض الرجل المتوسط في ذلك الوجه عليهم فقال له : لأي شيء أنت أكبر ولم

--> ( 1 ) رواه النسائي في الكبرى ( 2 / 431 ) ، وابن ماجة ( 2 / 1004 ) . ( 2 ) رواه أبو داود ( 2 / 297 ) ، الطبراني في الأوسط ( 9 / 7 ) بنحوه . ( 3 ) انظر : نيل الأوطار ( 3 / 377 ) ، وسبل السلام ( 1 / 99 ) .